فوزي آل سيف
39
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
الإمام الجواد وتجلي علم الله سبحانه كان أصعب الأمور تعقلاً على الناس؛ كيف يتولى صبي في الثامنة من العمر الإمامة مع ما تحتاج إليه من إمكانات علمية هائلة، ولا سيما على ما يراه الإمامية حيث أن الإمام عندهم له مواصفات خاصة[87] - علمية وعملية - لا يصل إليها شخص مهما علا إلا إذا كان منتخبا من الباري سبحانه. ومثلما هو اليوم مستغرب عند بعض الناس فقد كان كذلك في حينها بل ربما كان بنحو أشد. ولتوضيح الأمر نقول: مرجع هذا كله إلى الاستغراب والاستبعاد وليس راجعاً إلى استحالة عقلية، أو عدم إمكان وقوعي.. وإنما لأن الناس لم يروا ولم يشاهدوا قبل هذه الحادثة أن صبيًّا يؤتيه الله العلم والحكمة، وإنما اعتادوا على أن العالم إنما يكون كذلك إذا ضرب في العمر وطعن في السن فستزداد مداركه ومعارفه، وأما الصبي فلا يحصل له ذلك. ونسي هؤلاء أو غفلوا أن الإمام - بالمقياس الشيعي - حتى لو كان كبير السن فإنه لم يكتسب هذه العلوم المتنوعة بل الغريبة بشكل طبيعي واكتساب متعارف، وإنما علمه بها كان بشكل خاص ولطف إلهي، وإلا فلا معنى لأن يتقن الإمام لغات كثيرة وهو لم يدرسها ولم يعش في بيئاتها ثم يتكلم بها بنحو أفصح من أبنائها الأصليين! ولا معنى لأن يتقن مختلف العلوم من طبيعية ودينية وتاريخية وغيرها، ولم يعرف عنه أنه درس على يد مدرس معروف! فإذا كان هذا العلم يأتي بغير الطريق الطبيعي فلا فرق حينها بين أن يكون كبير السن أو صغيره!
--> 87 الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ٢٤٨ في الرواية المشهورة عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: «.. إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله ومقام أمير المؤمنين عليه السلام وميراث الحسن والحسين عليهما السلام إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين، إن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الامام يحل حلال الله، ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والابصار. الامام البدر المنير، والسراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الامام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى، والمنجي من الردى، الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، من فارقه فهالك، الامام السحاب الماطر، والغيث الهاطل والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة. الامام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والام البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد في الداهية النآد الامام أمين الله في خلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله. الامام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب، المخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين، وعز المسلمين وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين...» إلى آخر الرواية.